جلال الدين السيوطي

347

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

قال عبد الغافر الفارسيّ في تاريخه : كان ثقة جوّالا إماما في القراءات أوحد في طريقته ، وكان الشيوخ يعظمونه ، وكان لا ينزل الخوانق بل يأوي إلى مسجد خراب ، فإذا عرف مكانه تركه ، وإذا فتح عليه بشيء آثر به . وقال يحيى بن مندة في تاريخه : قرأ عليه جماعة ، وخرج من أصبهان إلى كرمان ، وحدّث بها ، وبها مات ، وهو ثقة ورع متديّن عارف بالقراءات والروايات عالم بالأدب والنحو أكبر من أن يدلّ عليه مثلي ، وهو أشهر من الشمس ، وأضوأ من القمر ، ذو فنون من العلم ، مهيب منظور فصيح حسن الطريقة كبير الوزن ، بلغني أنّه ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة ، قلت : وله شعر رائق في الزهد . قال أبو عبد الله الخلّال : خرج الإمام أبو الفضل الرازيّ من أصبهان متوجّها إلى كرمان ، فخرج الناس يشيعونه ، فصرفهم ، وقصد الطريق وحده ، وقال : إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا * كفى لمطايانا بذكراك حاديا قرأت على إسحاق بن أبي بكر الأسديّ : أخبرنا يوسف بن خليل أخبرنا خليل بن أبي الرجاء أخبرنا محمد بن عبد الواحد الدقّاق ، قال : ورد علينا الإمام أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازيّ ، وكان من الأئمة الثقات ، ذكره يملأ الفم ، ويذرف العين ، وكان رجلا مهيبا مديد القامة وليّا من أولياء الله صاحب كرامات ، طوّف الدنيا مستفيدا أو مفيدا . وقال الخلّال : كان أبو الفضل في طريق ومعه خبز وشيء من الفانيذ ، فقصده قطّاع الطريق ، وأرادوا أن يأخذوا ذلك ، فدفعهم بعصاه ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنّما منعتهم منه لأنّه كان حلالا ، وربّما كنت لا أجد حلالا مثله ، ودخل كرمان في هيئة رثّة وعليه أخلاق وأسمال فحمل إلى الملك ، وقالوا : هذا جاسوس . فسأله الملك : ما الخبر ؟ فقال : إن كنت تسألني عن خبر الأرض ، فكلّ من عليها فان ، وإن كنت تسألني عن خبر السماء ، فكلّ يوم هو في شأن . فتعجّب الملك من كلامه ، وهابه وأكرمه وعرض عليه مالا ، فلم يقبله . توفي في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وأربعمائة .